السيد عبد الله الشبر
126
تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد
وخبر من طرق الأفراد ، وله وجه غير ما ظنه من لا علم له بحقائق الأشياء ، وهو أن اللّه تعالى خلق الملائكة قبل البشر بألفي عام فما تعارف منها قبل خلق البشر ائتلف عند خلق البشر وما لم يتعارف منها إذ ذاك اختلف بعد خلق البشر ، وليس الأمر كما ظنه أصحاب التناسخ ، ودخلت الشبهة فيه على حشوية الشيعة ، فتوهموا أن الذوات الفعالة المأمورة والمنهية كانت مخلوقة في الذر تتعارف وتعقل وتفهم وتنطق ، ثم خلق اللّه لها أجسادا من بعد ذلك فركبها فيها . ولو كان ذلك كذلك لكنا نعرف نحن ما كنا عليه ، وإذا ذكرنا به ذكرناه ولا خفي علينا الحال فيه ، ألا ترى أن من نشأ ببلد من البلاد فأقام فيه حولا ثم انتقل إلى غيره لم يذهب عنه علم ذلك وإن خفي عليه لسهوه عنه فتذكر به ذكره ، ولولا أن الأمر كذلك لجاز أن يولد إنسان منا ببغداد وينشأ بها ويقيم عشرين سنة فيها ثم ينتقل إلى مصر آخر فينسى حاله ببغداد ولا يذكر منها شيئا ، وإن ذكّر به وعدّد عليه علامات حاله ومكانه ونشوئه أنكرها . وهذا ما لا يذهب إليه عاقل ، وما كان ينبغي لمن لا معرفة له بحقائق الأمور أن يتكلم فيها على خبط عشواء . والذي صرح به أبو جعفر في معنى الروح والنفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم ، فالجناية بذلك على نفسه وعلى غيره عظيمة . فأما ما ذكره من أن الأنفس باقية فعبارة مذمومة ، وأيضا يضاد ألفاظ القرآن ، قال اللّه تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 1 » والذي حكاه وتوهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن النفس لا يلحقها الكون والفساد وأنها باقية ؛ وإنما تفنى وتفسد الأجسام المركبة ، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ وزعموا أن الأنفس لم تزل تتكرر في الصور والهياكل لم تحدث ولم تفن ولن تعدم وأنها
--> ( 1 ) سورة الرحمن ؛ الآيتان : 26 - 27 .